ابن قيم الجوزية
446
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
أَعْطى وَاتَّقى ولم يذكر ما أعطى ، ولا من أعطى . وتقول فلان يعطي ويتصدق ويهب ويحسن ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت » لما كان المقصود بهذا تفرّد الرب سبحانه بالإعطاء والمنع لم يكن لذكر المعطى ولا لحظ المعطى معنى ، بل المقصود : أن حقيقة الإعطاء والمنع إليك لا إلى غيرك ، بل أنت المتفرد بها ، لا يشركك فيها أحد ، فذكر المفعولين هنا يخلّ بتمام المعنى وبلاغته . وإذا كان المقصود ذكرهما ذكرا معا كقوله تعالى : 108 : 1 إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فإن المقصود إخباره لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بما خصه به وأعطاه إياه من الكوثر . ولا يتم هذا إلا بذكر المفعولين . وكذا قوله تعالى : 76 : 8 وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً . وإذا كان المقصود أحدهما فقط اقتصر عليه . كقوله تعالى : وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ * المقصود به : أنهم يفعلون هذا الواجب عليهم ، ولا يهملونه . فذكره لأنه هو المقصود . وقوله ان أهل النار : 74 : 43 ، 44 لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ لما كان المقصود الإخبار عن المستحق للاطعام أنهم بخلوا عنه . ومنعوه حقه من الإطعام ، وقست قلوبهم عنه كان ذكره هو المقصود ، دون ذكر المطعوم . وتدبر هذه الطريقة في القرآن ، وذكره للأهم المقصود ، وحذفه لغيره ، يطلعك على باب من أبواب إعجازه وكمال فصاحته . وأما فعل الترك : فلا يشعر بشيء من هذا ، ولا يمدح به . فلو قلت : فلان يترك لم يكن مفيدا فائدة أصلا ، بخلاف قولك : يطعم ، ويعطي ، ويهب ، ونحوه ، بل لا بد أن تذكر ما يترك . ولهذا لا يقال : فلان يأكل ، ويقال : مطعم ومطعم . ومن أسمائه سبحانه المعطى . فقياس « ترك » على « أعطى » من أفسد القياس .